فصل: باب ضمان دين الميت المفلس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب ضمان دين الميت المفلس

1 - عن سلمة بن الأكوع قال ‏(‏كنا عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتي بجنازة فقالوا يا رسول اللّه عليها قال هل ترك شيئا قالوا لا فقال هل عليه دين قالوا ثلاثة دنانير قال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة صل عليه يا رسول اللّه وعلى دينه فصلى عليه‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري والنسائي‏.‏ وروى الخمسة الا أبا داود هذه القصة من حديث أبي قتادة وصححه الترمذي‏.‏ وقال فيه النسائي وابن ماجه ‏(‏فقال أبو قتادة أنا أتكفل به‏)‏ وهذا صريح في إن الانشاء لا يحتمل الأخبار بما مضى‏.‏

2 - وعن جابر قال ‏(‏كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يصلي على رجل مات عليه دين بميت فسأل عليه دين قالوا نعم ديناران قال صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة هما علي يا رسول اللّه فصلى عليه فلما فتح اللّه على رسوله قال أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دين فعلى ومن ترك مالا فلورثته‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والنسائي‏.‏

حديث أبي قتادة أخرجه أيضا ابن حبان وحديث جابر أخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني والحاكم وفي الباب عن أبي سعيد عند الدارقطني والبيهقي بأسانيد قال الحافظ ضعيفة بلفظ ‏(‏كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في جنازة فلما وضعت قال صلى اللّه عليه وآله وسلم هل على صاحبكم من دين قالوا نعم درهمان قال صلوا على صاحبكم فقال علي عليه السلام يا رسول اللّه هما علي وأنا لهما ضامن فقام يصلي ثم أقبل على علي عليه السلام فقال جزاك اللّه عن الإسلام خيرا وفك رهانك كما فككت رهان أخيك ما من مسلم فك رهان أخيه الا فك اللّه رهانه يوم القيامة فقال بعضهم هذا لعلي رضي اللّه عنه خاصة أم للمسلمين عامة فقال بل للمسلمين عامة‏)‏‏.‏ وعن أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال في خطبته ‏(‏من خلف مالا أو حقا فلورثته ومن خلف كلا أو دينا فكله إليّ ودينه علي‏)‏ وعن سلمان عند الطبراني بنحو حديث أبي هريرة وزاد ‏(‏وعلى الولاة من بعدي من بيت مال المسلمين‏)‏ وفي إسناده عبد اللّه بن سعيد الأنصاري متروك ومتهم‏.‏ وعن أبي أمامة عن ابن حبان في ثقاته‏:‏ قوله ‏(‏ثلاثة دنانير‏)‏ في الرواية الأخرى ‏(‏ديناران‏)‏ وفي رواية لابن ماجه وابن حبان من حديث أبي قتادة ‏(‏سبعة عشر درهما‏)‏ وفي رواية لابن حبان من حديثه ‏(‏ثمانية عشر‏)‏ وهذان دون دينارين وفي رواية لابن حبان أيضا من حديثه ديناران وفي رواية له أيضا من حديث أبي أمامة نحو ذلك‏.‏ وفي مختصر المازني من حديث أبي سعيد الخدري إن الدينكان درهمين ويجمع بين رواية الدينارين والثلاثة بأن الدين كان دينارين وشطرا فمن قال ثلاثة جبر الكسر ومن قال ديناران الغاه أو كان أصلهما ثلاثة فوقي قبل موته دينارا وبقي عليه ديناران فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل ومن قال ديناران فباعتبار ما بقي من الدين والأول اليق كذا في الفتح ولا يخفى ما في ذلك من التعسف والأولى الجمع بين الروايات كلها بتعدد القصة ـ وأحاديث الباب ـ تدل على أنها تصح الضمانة عن الميت ويلزم الضمين ما ضمن به وسواء كان الميت غنيا أو فقيرا وإلى ذلك ذهب الجمهور وأجاز مالك للضامن الرجوع على مال الميت إذا كان له مال وقال أبو حنيفة لا تصح الضمانة إلا بشرط أن يترك الميت وفاء دينه وإلا لم يصح ـ والحكمة ـ في ترك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الصلاة على من عليه دين تحريض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراء لئلا تفوتهم صلاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ قال في الفتح وهل كانت صلاته صلى اللّه عليه وآله وسلم على من عليه دين محرمة عليه أو جائزة وجهان‏.‏ قال النووي الصواب الجزم وبجوازها مع وجود الضامن كما في حديث مسلم‏.‏ وحكى القرطبي أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من أدان دينا غير جائز وأما من استدان لأمر هو جائز فما كان يمتنع وفيه نظر لأن في حديث أبي هريرة ما يدل على التعميم حيث قال في رواية للبخاري من توفي وعليه دين ولو كان الحال مختلفا لبينه صلى اللّه عليه وآله وسلم نعم جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لما امتنع من الصلاة على من عليه دين جاءه جبريل عليه السلام فقال إنما الظالم في الديون التي حملت في البغي والأسراف فأما المتعفف وذوالعيال فأنا ضامن له أؤدي عنه فصلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد ذلك وقال من ترك ضياعا الحديث‏.‏ قال الحافظ وهو ضعيف وقال الحازمي بعد أن أخرجه لا بأس به في المتابعات وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرا وإنما فيه إنه طرأ بعد ذلك وأنه السبب في قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم من ترك دينا فعلى وفي صلاته صلى اللّه عليه وآله وسلم على من عليه دين بعد أن فتح اللّه عليه اشعار بأنه كان يقضيه من مال المصالح‏.‏ وقيل بل كان يقضيه من خالص ملكه وهل كان القضاء واجبا عليه أم لا فيه وجهان قال ابن بطال وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دين فإن لم يفعل فالأثم عليه إن كان حق الميت في بيت المال يفي بقدر ما عليه وإلا فبقسطه‏.‏ قوله ‏(‏فعلى‏)‏ قال ابن بطال هذا ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين وقد حكى الحازمي اجماع الأمة على ذلك‏.‏

 باب في أن المضمون عنه إنما يبرأ بأداء الضامن لا بمجرد ضمانه

1 - عن جابر قال ‏(‏توفى رجل فغسلناه وحنطناه وكفناه ثم أتينا به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقلنا تصلي عليه فخطى خطوة ثم قال أعليه دين قلنا ديناران فأنصرف فتحملهما أبو قتادة فأتيناه فقال أبو قتادة الديناران على فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أوفى اللّه حق الغريم وبرئ منه الميت قال نعم فصلى عليه ثم قال بعد ذلك اليوم ما فعل الديناران إنما مات أمس قال فعاد إليه من الغد فقال قد قضيتهما فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الآن بردت علهي جلده‏)‏‏.‏

رواه أحمد وإنما أراد بقوله والميت منهما برئ دخوله في الضمان متبرعا لا ينوي به رجوعا بحال‏.‏

الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم‏:‏ قوله ‏(‏أتينا به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏)‏ زاد الحاكم ‏(‏ووضعناه حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل عليه السلام‏)‏ ‏:‏ قوله ‏(‏فانصرف‏)‏ لفظ البخاري في حديث أبي هريرة ‏(‏فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم صلوا على صاحبكم‏)‏ وتقدم نحوه في حديث سلمة‏.‏ قوله ‏(‏الآن بردت عليه‏)‏ فيه دليل على أن خلوص الميت من ورطة الدين وبراءة ذمته على الحقيقة ورفع العذاب عنه إنما يكون بالقضاء عنه لا بمجرد التحمل بلفظ الضمانة ولهذا سارع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى سؤال أبي قتادة في اليوم الثاني عن القضاء وفيه دليل على أنه يستحب للإمام أن يخص من تحمل حمالة عن ميت على الأسراع بالقضاء‏.‏ وكذلك يستحب لسائر المسلمين لأنه من المعاونة على الخير وفيه أيضا دليل على صحة التبرع بالضمانة عن الميت وقد تقدم الكلام على ذلك‏.‏

 باب في أن ضمان درك المبيع على البائع إذا خرج مستحقا

1 - عن الحسن عن سمرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ويتبع البيع من باعه‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والنسائي‏.‏ وفي لفظ ‏(‏إذا سرق من الرجل متاع أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به ويرجع المشتري على البائع بالثمن‏)‏‏.‏ رواه أحمد وابن ماجه‏.‏

سماع الحسن من سمرة فيه خلاف قد ذكرناه وبقية الاسناد رجاله ثقات لأن أبا داود رواه عن عمرو بن عوف الواسطي الحافظ شيخ البخاري عن هشيم عن موسى بن السائب وثقه أحمد عن قتادة عن الحسن‏:‏ قوله ‏(‏من وجد عين ماله‏)‏ يعني المغصوب أو المسروق عند رجل أو امرأة فهو أحق به من كل أحد إذا ثبت أنه ملكه بالبينة أوصدقة من في يده العين ثم إن كانت العين بحوزه فله مع أخذ العين المطالبة بمنفعتها مدة بقائها في يده سواء انتفع بها من كانت في يده أم لا وإذا كانت العين قد نقصت بغير استعمال كتعثث الثوب ‏ـ العثة بوزن الحقة السوسة التي تلحس الصوف‏ ـ وعمي العبد وسقوط يده بآفة فقيل يجب أخذ الأرش مع أجرته سليما لما قبل النقص وناقصا لما بعده وكذلك لو كان النقص بالاستعمال‏:‏ قوله ‏(‏البيع‏)‏ بتشديد التحتية مكسورة وهو المشتري أي يرجع على من باع تلك العين منه ولا يرجع عند الهادوية إلا إذا كان تسليم المبيع إلى مستحقه بأذن البائع أو بحكم الحاكم بالبينة أو بعلمه لا إذا كان الحكم مستندا إلى إقرار المشتري أو نكوله فلا يرجع على البائع ثم إن كان المشتري علم بأن تلك العين مغصوبة فيتوجه عليه من المطالبة كل ما يتوجه إليه على الغاصب من الأجر والأرش وإن جهل لغصب ونحوه كانت يده عليها يد أمانه كالوديعة وقيل يد ضمانة ولكن يرجع بما غرم على البائع‏.‏ قوله ‏(‏بالثمن‏)‏ يعني الذي دفعه إلى البائع‏.‏

 كتاب التفليس

 باب ملازمة المليئ وإطلاق المعسر

1 - عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏ليّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا الترمذي‏.‏ قال أحمد قال وكيع عرضه شكايته وعقوبته حبسه‏.‏

الحديث أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وابن حبان وصححه وعلقه البخاري قال الطبراني في الأوسط لا يروى عن الشريد إلا بهذا الإسناد تفرد به ابن أبي دليلة قال في الفتح وإسناده حسن‏:‏ قوله ‏(‏التفليس‏)‏ هو مصدر فلسه أي نسبته إلى الإفلاس والمفلس شرعا من يزيد دينه على موجوده سمي مفلسا لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير إشارة إلى أنه صار لا يمكل إلا أدنى الأموال وهي الفلوس أو سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلآ في الشيء التافه كالفلوس لأنهم ما كانوا يتعاملون بها في الأشياء الخطيرة أو أنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسا فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب‏:‏ قوله ‏(‏ليّ الواجد‏)‏ اللي بالفتح وتشديد الياء المطل والواجد بالجيم الغني من الوجد بالضم بمعنى القدرة قوله ‏(‏يحل‏)‏ بضم أوله أي يجوز وصفه بكونه ظالما‏.‏ وروى البخاري والبيهقي عن سفيان مثل التفسير الذي رواه المصنف عن أحمد عن وكيع‏.‏ واستدل بالحديث على جواز حبس من عليه الدين حتى يقضيه إذا كان قادرا على القضاء تأديبا له وتشديدا عليه لا إذا لم يكن قادرا لقوله ‏(‏الواجد‏)‏ فإنه يدل أيضا على أن المعسر لا يحل عرضه ولا عقوبته وإلى جواز الحبس للواجد ذهبت الحنفية وزيد بن علي‏.‏ وقال الجمهور يبيع عليه الحاكم لما سيأتي من حديث معاذ وأما غير الواجد فقال الجمهور لا يحبس لكن قال أبو حنيفة يلازمه من له الدين وقال شريح يحبس والظاهر قول الجمهور ويؤيده قوله تعالى ‏{‏فنظرة إلى ميسرة‏}‏ وقد اختلف هل يفسق الماطل أم لا واختلف أيضا في تقدير ما يفسق به والكلام في ذلك مبسوط في كتب الفقه‏.‏

2 - وعن أبي سعيد قال ‏(‏أصيب رجل على عهد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري‏.‏

قوله ‏(‏في ثمار ابتاعها‏)‏ هذا يدل على أن الثمار إذا أصيبت مضمونة على المشتري وقد تقدم في باب وضع الحوائج ما يدل على أنه يجب على البائع أن يضع عن المشتري بقدر ما أصابته الجائحة وقد جمع بينهما بأن وضع الجوائح محمول على الاستحباب‏.‏ وقيل أنه خاص بما بيع من الثمار قبل بدو صلاحه‏.‏ وقيل أنه يؤول حديث أبي سعيد هذا بأن التصدق على الغريم من باب الاستحباب وكذلك قضاؤه دين غرمائه من باب التعرض لمكارم الأخلاق وليس التصدق على جهة العزم ولا القضاء للغرماء على جهة الحتم وهذا هو الظاهر‏.‏ ويدل عليه قوله في حديث وضع الجوائح ‏(‏لا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك‏)‏ فإنه صريح في وجوب الوضع لا في استحبابه وكذلك قوله في هذا الحديث ‏(‏وليس لكم إلا ذلك‏)‏ فإنه يدل على أن الدين غير لازم ولو كان لازما لما سقط الدين بمجرد الإعسار بل كان اللازم الإنظار إلى ميسرة وقد قدمنا في باب وضع الجوائح عدم صلاحية حديث أبي سعيد هذا للاستدلال به على عدم وضع الجوائح لوجهين ذكرناهما هنالك‏.‏ وقد استدل الحديث على أن المفلس إذا كان له من المال دون ما عليه من الدين كان الواجب عليه لغرمائه تسليم المال ولا يجب عليه لهم شيء غير ذلك وظاهره أن الزيادة ساقطة عنه ولو أيسر بعد ذلك لم يطالب بها‏.‏

 باب من وجد سلعة باعها من رجل عنده وقد أفلس

1 - عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

2 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره‏)‏‏.‏

رواه الجماعة‏.‏ وفي لفظ قال في الرجل الذي يعدم ‏(‏إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه‏)‏ رواه مسلم والنسائي وفي لفظ ‏(‏أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئا فهو له‏)‏ رواه أحمد‏.‏

3 - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع اسوة الغرماء‏)‏‏.‏

رواه مالك في الموطأ وأبو داود وهو مرسل‏.‏ وقد أسنده أبو داود من وجه ضعيف‏.‏

حديث سمرة أخرجه أيضا أبو داود قال في الفتح وإسناده حسن وهو من رواية الحسن البصري عنه وفي سماعه منه خلاف معروف قد قدمنا الكلام فيه ولكنه يشهد لصحته حديث أبي هريرة المذكور بعده ويشهد لصحته أيضا ما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة أنه قال في مفلس أتوه به ‏(‏لاقضين فيكم بقضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من أفلس أ‏,‏ مات فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به‏)‏ وفي إسناده أبو المعتمر‏.‏ قال أبو داود الطحاوي وابن المنذر وهو مجهول ولم يذكر له ابن أبي حاتم إلا راويا واحدا وذكره ابن حبان في الثقات وهو للدارقطني والبيهقي من طريق أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب‏.‏ وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هو مرسل كما ذكره المصنف لأن أبا بكر تابعي لم يدرك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ ووصله أبو داود من طريق أخرى فقال عن أبي بكر المذكور عن أبي هريرة وهي ضعيفة كما قال المصنف وذلك لأن فيها اسمعيل ابن عياش وهو ضعيف غذ روى عن غير أهل الشام ولكنه ههنا روى عن الحرث الزبيدي وهو شامي قال الحافظ وقد اختلف على اسمعيل فأخرجه ابن الجارود من وجه عنه عن موسى بن عقبة عن الزهري موصولا‏.‏ وقال الشافعي حديث أبي المعتمر أولى من هذا وهذا منقطع‏.‏ وقال البيهقي لا يصح وصله ووصله عبد الرزاق في مصنفه‏.‏ وذكر ابن حزم أن عراك بن مالك رواه أيضا عن أبي هريرة في غرائب مالك‏.‏ وفي التمهيد أن بعض أصحاب مالك وصله‏.‏ قال أبو داود والمرسل أصح وقد روى الشيخان بلفظ ‏(‏من أدرك مال ـ ‏ماله‏؟‏‏؟‏ ـ‏ بعينه عند رجل قد أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق من غيره‏)‏ ووصله ابن حبان والدارقطني وغيرهما من طريق الثوري عن أبي بكر عن أبي هريرة بنحو لفظ الشيخين‏:‏ قوله ‏(‏بعينه‏)‏ فيه دليل على أن شرط الاستحقاق أن يكون المال باقيا بعينه لم يتغير ولم يتبدل فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلا أو في صفة من صفاتها فهي أسوة للغرماء ويؤيد ذلك قوله في الرواية الثانية ولم يفرقه وذهب الشافعي والهادوية إلى أن البائع أولى بالعين بعد التغير والنقص‏:‏ قوله ‏(‏فهو أحق به‏)‏ أي من غيره كائن من كان وارثا أو غريما وبهذا قال الجمهور

وخالفت الحنفية في ذلك فقالوا لا يكون البائع أحق بالعين المبيعة التي في يد المفلس وتأولوا الحديث بأنه خبر واحد مخالف للأصول لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ومن ضمانه واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه وحملوا الحديث على صورة وهي ماذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة‏.‏

وتُعُقّب بأنه لو كان كذلك لم يقيد بالأفلاس ولا جعل أحق بها لما تقتضيه صيغة أفعل من الأشتراك، وأيضا يَرُدّ ما ذهبوا إليه قوله في حديث أبي بكر ‏(‏أيما رجل باع متاعا‏)‏ فإن فيه التصريح بالبيع وهو نص في محل النزاع وقد أخرجه أيضا سفيان في جامعه وابن حسان وابن خزيمة عن أبي بكر عن أبي هريرة بلفظ ‏(‏إذا ابتاع رجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها‏)‏ وفي لفظ لابن حبان ‏(‏إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته‏)‏ وفي لفظ لمسلم والنسائي ‏(‏أنه لصاحبه الذي باعه‏)‏ كما ذكر المصنف وعند عبد الرزاق بلفظ ‏(‏من باع سلعة من رجل‏)‏ قال الحافظ فظهر بهذا أن الحديث وارد في صورة البيع ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر يعني من العانية والوديعة بالأولى والأعتذار بأن الحديث خبر واحد مردود بأنه مشهور من غير وجه من ذلك ما تقدم عن سمرة وأبي هريرة وأبي بكر بن عبد الرحمن ومن ذلك ما أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح عن ابن عمر مرفوعا بنحو أحاديث الباب وقد قضى به عثمان كما رواه البخاري والبيهقي عنه حتى قال ابن المنذر لا نعرف لعثمان مخالفا في الصحابة والاعتذار بأنه مخالف للأصول اعتذار فاسد لما عرفناك من أن السنة الصحيحة هي من جملة الأصول فلا يترك العمل بها إلا لما هو أنهض ولم يرد في المقام ما هو كذلك وعلى تسليم أنه ورد ما يدل على أن السلعة تصير بالبيع ملكا للمشتري فما ورد في الباب أخص مطلقا فيبنى العام على الخاص وحمل بعض الحنفية الحديث على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة وتعقب بقوله في حديث سمرة عند مفلس‏.‏ وبقوله في حديث أبي هريرة عند رجل‏.‏ وفي لفظ لابن حبان ثم أفلس وهي عنده وللبيهقي ‏(‏إذا افلس الرجل وعنده متاع‏)‏ وقال جماعة إن هذا الحكم أعني كةن البائع أولى بالسلعة التي بقيت في يد المفلس مختص بالبيع دون القرض‏.‏ وذهب الشافعي وآخرون إلى أن المقرض أولى من غيره واحتج الأولون بالروايات المتقدمة المصرحة بالبيع قالوا فتحمل الروايات المطلقة عليها ولكنه لا يخفى أن التصريح بالبيع لا يصلح لتقييد الروايات المطلقة لأنه إنما يدل على أن غير البيع بخلافه بمفهوم اللقب وما كان كذلك لا يصح للتقييد إلا على قول أبي ثور كما تقرر في الأصول وربما يقال أن المصرح به هنا هو الوصف فلا يكون من مفهوم اللقب‏.‏ قوله ‏(‏ولم يكن أقتضي من ماله شيئا‏)‏ فيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المشتري إذا كان قد قضى بعض الثمن لم يكن البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه من المبيع بل يكون أسوة الغرماء‏.‏

وقال الشافعي والهادوية إن البائع أولى به والحديث يرد عليهم‏:‏ قوله ‏(‏وإن مات المشتري‏)‏ الخ فيه دليل على أن المشتري إذا مات والسلعة التي لم يسلم المشتري ثمنها باقية لا يكون البائع أولى بها بل يكون اسوة الغرماء وإلى ذلك ذهب مالك وأحمد‏.‏ وقال الشافعي البائع أولى بها واحتج بقوله في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه من أفلس أو مات الخ ورجحه الشافعي على المرسل المذكور في الباب قال ويحتمل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت وكذلك الذين رووه عن أبي هريرة غيره لم يذكروا ذلك بل صرح بعضهم عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموت كما ذكرنا قال في الفتح فتعين المصير إليه لأنها زيادة مقبولة من ثقة قال وجزم ابن العربي بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي وجمع الشافعي أيضا بين الحديثين بحمل مرسل أبي بكر على ما إذا مات مليئا وحمل حديث أبي هريرة على ما إذ مات مفلسا وقد استدل بقوله في حديث أبي هريرة ‏(‏أو مات‏)‏ على أن صاحب السلعة أولى بها ولو أراد الورثة أن يعطوه ثمنها لم يكن لهم ذلك ولا يلزمه القبول وبه قال الشافعي وأحمد‏.‏ وقال مالك يلزمه القبول وقالت الهادوية إن الميت إذا خلف الوفاء لم يكن البائع أولى بالسلعة وهو خلاف الظاهر لأن الحديث يدل على أن الموت من موجبات استحقاق البائع للسلعة ويؤيد ذلك عطفه على الإفلاس‏.‏ واستدل بأحاديث الباب على حلول الدين المؤجل بالإفلاس‏.‏ قال في الفتح من حيث أن صاحب الدين أدرك متاعه بعينه فيكون أحق به ومن لوازم ذلك أنها تجوز له المطالبة بالمؤجل وهو قول الجمهور لكن الراجح عند الشافعية أن المؤجل لا يحل بذلك لأن الأجل حق مقصود له فلا يفوت وهو قول الهادوية‏.‏ واستدل أيضا بأحاديث الباب على أن لصاحب المتاع أن يأخذه من غير حكم حاكم قال في الفتح وهو الأصح من قول العلماء وقيل يتوقف على الحكم‏.‏

 باب الحجر على المدين وبيع ماله في قضاء دينه

1 - عن كعب بن مالك ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه‏)‏‏.‏

رواه الدارقطني‏.‏

2 - وعن عبد الرحمن بن كعب قال ‏(‏كان معاذ بن جبل شابا سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يدان حتى غرق ماله كله في الدين فأتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لهم ماله حتى قام معاذ بغير شيء‏)‏‏.‏

رواه سعيد في سننه هكذا مرسلا‏.‏

حديث كعبأخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححه ومرسل عبد الرحمن بن كعب أخرجه أيضا أبو داود وعبد الرزاق قال عبد الحق المرسل أصح وقال ابن الطلاع في الأحكام هو حديث ثابت وقد أخرج الحديث الطبراني‏.‏ ويشهد له ما عند مسلم وغيره من حديث أبي سعيد قال ‏(‏أصيب رجل على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم‏)‏ وقد تقدم‏.‏ وقد استدل بحجره صلى اللّه عليه وآله وسلم على معاذ على أنه يجوز الحجر على كل مديون وعلى أنه يجوز للحاكم بيع مال المديون لقضاء دينه من غير فرق بين من كان ماله مستغرقا بالدين ومن لم يكن ماله كذلك وقد حكى صاحب البحر هذا عن العترة والشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد وقيدوا الجواز بطلب أهل الدين للحجر من الحاكم وروى عن الشافعي أنه يجوز قبل الطلب للمصلحة وحكى في البحر أيضا عن زيد بن علي والناصر وأبي حنيفة أنه لا يجوز الحجر على المديون ولا بيع ما له بل يحبسه الحاكم حتى يقضي واستدل لهم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏لا يحل مال امرئ مسلم‏)‏ الحديث وهو مخصص بحديث معاذ المذكور‏.‏ وأما ما أدعاه إمام الحرمين حاكبا لذلك عن العلماء وتبعه الغزالي أن حجر معاذ لم يكن من جهة غستعاء غرمائه بل الأشبه أنه جرى باستدعائه فقال الحافظ إنه خلاف ما صح من الروايات المشهورة ففي المراسيل لأبي داود التصريح بأن الغرماء التمسوا ذلك‏.‏ قال وأما ما رواه الدارقطني أن معاذا أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فكلمه ليكلم غرماءه فلا حجة فيه أن ذلك لالتماس الحجر وإنما فيه طلب معاذ الرفق منهم وبهذا تجتمع الروايات انتهى‏.‏ وقد روى الحجر على المديون وإعطاء الغرماء ماله من فعل عمر كما في الموطأ والدارقطني وابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق ولم ينقل أنه أنكر ذلك عليه أحد من الصحابة‏.‏

 باب الحجر على المبذر

1 - عن عروة بن الزبير قال ‏(‏ابتاع عبد اللّه بن جعفر بيعا فقال علي رضي اللّه عنه لآتين عثمان فلأحجرن عليك فاعلم ذلك ابن جعفر الزبير فقال أنا شريكك في بيعتك فأتى عثمان رضي اللّه عنهما قال تعال احجر على هذا فقال الزبير أنا شريكه فقال عثمان احجر على رجل شريكه الزبير‏)‏‏.‏

رواه الشافعي في مسنده‏.‏

هذه القصة رواها الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف القاضي عن هشام بن هروة عن أبيه وأخرجها أيضا البيهقي‏.‏ وقال يقال أن أبا يوسف تفرد به وليس كذلك ثم أخرجها من طريق الزهري المدني القاضي عن هشام نحوه‏.‏ ورواها أبو عبيد في كتاب الأموال عن عفان بن مسلم عن حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن أبي سيرين قال قال عثمان لعلي عليه السلام ألا تأخذ على يد ابن أخيك يعني عبد اللّه بن جعفر وتحجر عليه اشترى سبخة ـ ‏بفتح السين والمهملة وكسر الموحدة بعدها معجمة أي ذات سباخة وهي الأرض التي لا تنبت‏ ـ بستين ألف درهم ما يسرني أنها لي بنعلي وقد ساق القصة البيهقي فقال اشترى عبد اللّه بن جعفر أرضا سبخة فبلغ ذلك عليا عليه السلام فعزم على أن يسأل عثمان الحجر عليه فجاء عبد اللّه بن جعفر إلى الزبير فذكر له فقال الزبير أنا شريكك فلما سأل علي عثمان الحجر على عبد اللّه بن جعفر قال كيف أحجر على من شريكه الزبير وفي رواية للبيهقي أن الثمن ستمائة ألف‏.‏ وقال الرافعي الثمن ثلاثون ألفا‏.‏ قال الحافظ لعله من غلط الناسخ والصواب بستين يعني ألفا انتهى‏.‏ وروى القصة ابن حزم فقال بستين ألفا‏.‏ وقد استدل بهذه الواقعة من أجاز الحجر على من كان سيء التصرف وبه قال علي عليه السلام وعثمان وعبد اللّه بن الزبير وعبد اللّه بن جعفر وشريح وعطاء والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد هكذا في البحر قال في الفتح والجمهور على جواز الحجر على الكبير‏.‏ وخالف أبو حنيفة بعض الظاهرية ووافق أبو يوسف ومحمد قال الطحاوي ولم ار عن أحد من الصحابة منع الحجر على الكبير ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم وابن سيرين ثم حكى صاحب البحر عن العترة أنه لا يجوز مطلقا وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز أن يسلم إليه ماله بعد خمس وعشرين سنة ولهم أن يجيبوا عن هذه القصة بأنها وقعت عن بعض من الصحابة والحجة إنما هو إجماعهم والأصل جواز التصرف لكل مالك من غير فرق بين نواع التصرفات فلا يمنع منها إلا ما قام الدليل على منعه ولكن الظاهر أن الحجر على من كان في تصرفه سفه مكان أمرا معروفا عند الصحابة مألوفا بينهم ولو كان غير جائز لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة ولكان الجواب من عثمان رضي اللّه عنه عن علي عليه السلام بأن هذا غير جائز وكذلك الزبير وعبد اللّه بن جعفر لو كان مثل هذا الأمر غير جائز لكان لهما عن تلك الشركة مندوحة والعجب من ذهاب العترة إلى عدم الجواز مطلقا وهذا إمامهم وسيدهم أمير المؤمنين على كرم اللّه وجهه يقول بالجواز مع كون أكثرهم يجعل حجة متبعة تجب المصير إليها وتصلح لمعارضة المرفوع وأما اعتذار صاحب البحر عن ذلك بأن عليا عليه السلام لم يفعل ذلك ففي غاية من السقوط فإن الحجر لو كان غير جائز لما ذهب إلى عثمان وسأل منه ذلك وأما اعتذاره أيضا بأن ذلك اجتهاد فمخالف لما تمشى عليه في كثير من الأبحاث من الجزم وبأن قول على حجة من غير فرق بين ما كان للاجتهاد فيه مسرح وما ليس كذلك على أن ما لا مجال للاجتهاد فيه لا فرق فيه بين قول علي عليه السلام وغيره من الصحابة أن له حكم الرفع وإنما محل النزاع بين أهل البيت عليهم السلام وغيرهم فيما كان مواطن الاجتهاد وكثيرا ما ترى جماعة من الزيدية في مؤلفاتهم يجزمون بحجية قوله عليه السلام إن وافق ما يذهبون إليه ويعتذرون عنه إن خالف بأنه اجتهاد لا حجة فيه كما يقع منهم ومن غيرهم إذا وافق قول أحد من الصحابة ما يذهبون إليه فإنهم يقولون لا مخالف له من الصحابة فكان إجماعا ويقولون إن خالف ما يذهبون إليه‏:‏ قول صحابي لا حجة فيه‏.‏ وهكذا يحتجون بأفعاله صلى اللّه عليه وآله وسلم إن كانت موافقة للمذهب ويعتذرون عنها إن خالفت بأنها غبر معمولة الوجه الذي لأجله وقعت فلا تصلح للحجة فليكن هذا منك على ذكر فإنه من المزالق التي يتبين عندها الإنصاف والاعتساف‏.‏ وقد قدمنا التنبيه على مثل هذا وكررناه لما فيه من التحذير عن الاغترار بذلك

ومن الأدلة الدالة على جواز الحجر على من كان بعد البلوغ سيء التصرف قول اللّه تعالى ‏{‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏}‏ قال في الكشاق السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم كما قال ولا تقتلوا أنفسكم‏.‏ فمما ملكت إيمانكم من فتياتكم المؤمنات والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله ‏{‏وارزقوهم فيها واكسوهم‏}‏ ثم قال في تفسير قوله تعالى ‏{‏وارزقوهم فيها‏}‏ واجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتحروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق وقيل هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو أجنبي رجل أو امرأة يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده انتهى‏.‏ وقد عرفت بهذا عدم اختصاص السفهاء المذكورين بالصبيان كما قال في البحر فإنه تخصيص لما تدل عليه الصيغة بلا مخصص‏.‏ ومما يؤيد ذلك نهيه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الإسراف بالماء ولو على نهر جار‏.‏ ومن المؤيدات عدم إنكاره صلى اللّه عليه وآله وسلم على قرابة حبان لما سألوه أن يحجر عليه أن صح ثبوت ذلك وقد تقدم الحديث بجميع طرقه في البيع وقد استدل على جواز الحجر على لاسفيه أيضا برده صلى اللّه عليه وآله وسلم صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه كما أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي سعيد وأخرجه الدارقطني من حديث جابر‏.‏ وبما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث جابر أيضا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم رد البيضة على من تصدق بها ولا مال له غيرها وبرده صلى اللّه عليه وآله وسلم عتق من أعتق عبد له عن دبر ولا مال له غيره كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام ـ ومن جملة ـ ما استدل به على الجواز قول ابن عباس وقد سئل متى ينقضي يتم اليتيم فقال لعمري أن الرجل لتنبت لحيته وأنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء فإذا أخذ لنفسه من صالح ما أخذ الناس فقد ذهب عنه اليتيم حكاه في الفتح والحكمة في الحجر على السفيه أن حفظ الأموال حكمة لأنها مخلوقة للانتفاع بها بلا تبذير ولهذا قال تعالى ‏{‏أن المبذرين كانوا إخوان الشياطين‏}‏ قال في البحر ـ فصل ـ والسفه المقتضي للحجر عند من أثبته هو صرف المال في الفسق أو فيما لا مصلحة فيه ولا غرض ديني ولا دنيوي كشراء ما يساوي درهما بمائة لا صرفه في أكل طيب ولبس نفيس وفاخر المشموم قوله تعالى ‏{‏قل من حرم زينة اللّه التي أخرج لعباده‏}‏ الآية وكذا لو أنفقه في القرب انتهى‏.‏